صديق الحسيني القنوجي البخاري
9
فتح البيان في مقاصد القرآن
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم مقدمة المؤلف الحمد للّه الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ، وبين له من معالم العلم وشعائر الشرائع ومشاعر الملل كل ما جل ودق ، ونزل عليه كتابا معجزا أفحم مصاقع الخطباء من العرب العرباء وخطابا مفحما أعجز بواقع البلغاء من عصابة الأدباء ، بأظهر بينات وأبهر حجج ، قرآنا عربيا غير ذي عوج ، أمر فيه وزجر ، وبشر وأنذر ، وذكر المواعظ ليتذكر ، وقص عن أيام الأمم الخالية ليعتبر ، وضرب فيه ضروب الأمثال ليتدبر ، ودل على آيات التوحيد ليتفكر ، أنزله بحسب المصالح والحكم منجما ، وجعله بالتحميد مفتتحا وبالاستعاذة مختتما ، وأوحاه متشابها ومحكما ، مزاياه ظاهرة باهرة في كل وجه وكل زمان ، دائرة من بين سائر الكتب على كل لسان في كل مكان ، كادت الرواسي لهيبته تمور ، ويذوب من خشيته الحديد ويميع منه صم الصخور ، فمن تمسك بعروته الوثقى وحبله المتين ، وسلك جادته الواضحة وصراطه المبين ، فقد فاز بمناه ، ومن نبذه وراء ظهره وعصاه ، واتخذ إلهه هواه ، فقد هوى في تخوم الشقاء وتردى في مهاوي الردى والاشتباه ، فأي عبارة تبلغ أيسر ما يستحقه كلام الحكيم من التعظيم ، وأي إشارة تصلح لبيان أقل ما ينبغي له من التوصيف والتكريم . كلا واللّه إن بلاغة البلغاء وسحرة البيان وإن طالت ذيولها ، وفصاحة الفصحاء ومهرة قحطان وإن سالت سيولها تتقاصر عن الوفاء بأدنى أوصافه وإن جالت بميادينها خيولها ، وتتصاغر عن التشبث بأقصر أطرافه وإن أفلقت في إطرائها فحولها ، فتعود ألسنتهم عنه قاصرة ، وصفقتهم في أسواقه خاسرة ، كيف وتلك الآيات والدلائل ، وتيك البينات والمخايل ، وهذه العبارات العبقرية ، وما في تضاعيفها من أسرار البرية ، مما لا تحيط به ألباب البشر ، ولا تدرك كنهه طباع العالم الأكبر والأصغر ، بحيث لو اجتمعت الإنس والجن على معارضته ومباراته ، لعجزوا عن الإتيان بمثل أقصر آية من آياته فالاعتراف بالعجز عن القيام بما يستحقه كلام الملك العلام ، من الإطراء والإكرام ، أوفق بما يقتضيه الحال من الإجلال والإعظام . والصلاة والسّلام على من أرسله اللّه إلى الخلق هاديا وبشيرا ، ونزل عليه الفرقان ليكون للعالمين نذيرا ، فهداهم به إلى الحق وهم في ضلال مبين ، وسلك بهم مسلك الهداية حتى أتاهم اليقين ، أكمل به بنيان النبوة والجلالة ، وختم به ديوان الوحي